علي الهجويري
88
كشف المحجوب
هراء ! . فتنهد في استنكار ، فقلت له : إذا كنت تدعى أنك ممن ينشدون الملامة ، وكنت واثقا من اتجاهك هذا ، فإن استنكار هذا السيد لعملك يجب أن يشجعك على المثابرة ، وبما أنه يقوم لك بما تنشده وهو الملامة فلما ذا تظهر له هذا العداء والغضب ؟ . إن سلوكك أقرب إلى الادعاء منه إلى طلب الملامة . إن على من يدعى أنه يسترشد بالحق إن يثبت ذلك ويبرهنه ، وليس البرهان إلا اتباع السنة ، فقد ادعيت ذلك ولكنني أراك لا تقوم بفرض ديني ، إن سلوكك يجعلك خارجا على الإسلام . فصل : [ بين الملامة والسلامة ] إن مبدأ انتشر بين أهل هذه الطائفة ، على يد شيخ عصره حمدون القصار . وله حكم كثيرة في هذا المجال ، ويروى عنه أنه قال : « الملامة ترك السلامة » فإذا ترك المرء سلامته عن قصد ، وأعد نفسه لتحمل المكاره وترك اللذات وما اعتاده من صلات ، عسى أن تتكشف له عظمة اللّه ، فإنه محقق لاتحاده باللّه « 1 » ، ما ابتعد عن الناس . ولهذا فإن دعاة الملامة يديرون ظهورهم للسلامة ، وهي التي يتوجه إليها أهل هذه الحياة الدنيا ، فهمهم خلاف همومهم وهمتهم تزيد عن همومهم ؛ إذ أن وجهة أهل الملامة وحدانية . وبقول إبراهيم بن فاتك : إن الحسين بن منصور الحلاج أجاب من سأله : « من الصوفي ؟ » قائلا : انه وحداني الذات . وقال حمدون كذلك عن الملامة ، إنها طريق صعب على العامة أن يسلكوه ، ولكني سأخبرك ، بجزء مه : إن الملامتى يتصف برجاء المرجئة ، وخوف القدرية ولهذه الحكمة معنى خفى سأحاول شرحه . إن من طبيعة الإنسان أن تعوقه الشهوة - أكثر من أي شيء آخر - أن يتصل باللّه ، ولهذا فإن كل من يخشى هذا الخطر يحاول أن يتفاداه ، إذ أنه
--> ( 1 ) ينكر كبار أهل الطريق ومشايخ التصوف ومنهم الجنيد وأبو الحسن الشاذلي فكرة الحلول والاتحاد وأخرج الجنيد من يقول بذلك من صفوفهم .